ابن هشام الأنصاري
347
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
رعيا لمعناه ، ألا ترى أنه لا يجوز بعده دخول أحد ، ولا الاستثناء المفرغ ، لا يقال : أليس أحد في الدار ، ولا أليس في الدار إلا زيد ، وعلى ذلك قول الأنصار رضى اللّه تعالى عنهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد قال لهم : ألستم ترون لهم ذلك - نعم ، وقول جحدر : 565 - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو * وإيّانا ؛ فذاك بنا تدانى نعم ، وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النّهار كما علانى وعلى ذلك جرى كلام سيبويه ، والمخطّىء مخطىء . وقال ابن عصفور : أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجابا في المعنى ، فإذا قيل « ألم أعطك درهما » قيل في تصديقه : نعم ، وفي تكذيبه : بلى ، وذلك لأن المقرّر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك ، فإذا قال نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطني على اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى ؛ فلذلك أجابوه على اللفظ ، ولم يلتفتوا إلى المعنى ، وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور ، وهو ما قدّره في اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو ، وجاز ذلك لأمن اللبس ؛ لعلمه أن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه وأم عمرو ، أو هو جواب لقوله « وأرى الهلال - البيت » وقدمه عليه . قلت : أو لقوله : « فذاك بنا تدانى » وهو أحسن . وأما قول الأنصار فجاز لزوال اللّبس ؛ لأنه قد علم أنهم يريدون نعم نعرف لهم ذلك ، وعلى هذا يحمل استعمال سيبويه لها بعد التقرير ، اه . [ بحث في جواب قوله تعالى ( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وما روى عن ابن عباس أنهم لو قالوا « نعم » لكفروا ] ويتحرر على هذا أنه لو أجيب ( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) بنعم لم يكف في الإقرار ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية العبارة التي لا تحتمل غير المعنى المراد من المقرّ ؛ ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله « لا إله إلّا اللّه » برفع إله ؛ لاحتماله لنفى الوحدة فقط ، ولعل ابن عباس رضى اللّه عنهما إنما قال إنهم لو قالوا نعم